الاثنين، 3 أكتوبر 2016

الرفيق عبد الله الحريف:حول المافيا المخزنية(1)

‏‏‎ الرفيق عبد الله الحريف:حول المافيا المخزنية(1)
حول المافيا المخزنية(1)
تستعمل بعض أدبيات اليسار الجديد صيغة "المافيا المخزنية" للإشارة إلى العناصر المتنفذة في أجهزة السلطة والقمع بمختلف تفرعاتها العلنية والسرية وعملائهم من رجال الأعمال والمال، وتعتبر أن هذه المافيا هي العائق الأساسي أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي وهي العدو الأكثر شراسة والذي يجب تكتيل كل قوى المجتمع ضده، بما في ذلك شرائح من البرجوازية غير المخزنية أي التي لا تستمد وجودها وثروتها من تبعيتها لجهاز الدولة والسلطة.
وقد تعرض هذا المفهوم للنقد على اعتبار أن "المافيا" تحيل إلى عصابة (وهذا يستتبع أشكالا من التنظيم العصبوية لتجميع القوة المادية لإنهاء سيطرة هذه المافيا).وكذلك أن "جهاز الدولة المخزني مؤسسة وليس مافيا. فبالإضافة إلى وجوده المادي المجسد بالرأسمال التبعي والملكية الكبرى للأراضي، فإن وجوده يتجسد كذلك بموروثه الثقافي التاريخي والثقافي،الشيء الذي يجعله ينفذ إلى تلابيب المجتمع » .
لا يمكن نفي أن عبارة "مافيا مخزنية" لها حمولة تحريضية كما لا يمكن أن يكون هناك تماثل تام بين المافيا التي ولدت وترعرعت في تربة اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة والمخزن الذي تبلور كنتيجة لواقع تاريخي مغاير.لكن أوجه الشبه تبقى مع ذلك جد هامة كما سنرى لحد أنها تبرر في اعتقادنا استعمال صيغة "المافيا المخزنية".
أولا هل المافيا تحيل فقط إلى مفهوم العصابة كمجموعة إجرامية معزولة أم هل هي أيضا شيء آخر؟ إن نظرة سريعة لواقع المافيا في صقلية تبين أنها ليست مجرد عصابة إجرامية معزولة، بل إنها إفراز مجتمعي تاريخي للواقع الاقتصادي الاجتماعي والثقافي لصقيلة ولها علاقات واسعة مع هذا المجتمع بل مع المجتمع الإيطالي ككل.إن المافيا تنفذ إلى تلابيب المجتمع بما في ذلك ما يسمى خطأ بالطبقة السياسية. وأظن أن العجز عن اجتثاث المافيا يرجع إلى كونها ظاهرة اجتماعية لا يمكن القضاء عليها بالقمع البوليسي بل بالتوجه إلى القضاء على الأسباب التي تنتجها وتعيد إنتاجها. هكذا إذن يسقط الانتقاد حول اعتبار أن إنهاء سيطرة المافيا المخزنية يستتبع أشكالا من التنظيم العصبوي لأن أبهى شكل من التنظيم العصبوي هو تنظيم أجهزة القمع غير قادر على القضاء على المافيا. إن المافيا هي إفراز لواقع التخلف الاقتصادي الذي عاشه ويعيشه جنوب إيطاليا وللصيرورة التاريخية التي أدت إلى توحيد إيطاليا وأنتجت دولة تتميز بضعفها وضعف مركزيتها بالمقارنة مع دول أخرى كفرنسا. إن المافيا إذن وجدت ترتبها في واقع صقلية وساعدها ضعف الدولة الإيطالية الذي قد يعبر عنه إلى هذا الحد أو ذاك عدم استقرار المؤسسات السياسية المتميزة بالتغير السريع للحكومات الإيطالية على الاستقواء والرسوخ في عمق المجتمع. إن الدولة المخزنية (أو المخزن) كانت دائما دولة ضعيفة حيث لم تكن تتحكم سوى في جزء بسيط من البلاد. كانت أجزاء هامة من المغرب تدخل ضمن ما كان يسمى ب "بلاد السيبة" أي بلاد خاضعة لسلطة القبائل وليس سائبة، كما يحاول مؤرخو المخزن الإيحاء بذلك. ولم تصبح الدولة المخزنية دولة مركزية إلا بعد أن حارب الاستعمار القبائل خلال 30 سنة وانتزع منها السلاح. وهذا ما يجعل الدولة المخزنية تفتقد للمشروعية التاريخية من جهة ويجعل من عصرنتها وتحولها إلى دولة مركزية مسألة سطحية وليس مستبطنة بشكل عميق لأنها جاءت نتيجة تدخل خارجي أجنبي استعماري مرفوض من طرف الشعب. هكذا إذن فرغم الشكل العصري لازال العمق المخزني هو الأساس المتحكم في ممارسة السلطة.
إن ما يميز المافيا على المستوى الداخلي هو العلاقات الشخصية وليس المؤسسة، حيث أن هناك علاقات الحماية مقابل علاقات الولاء.والمافيا تنتزع جزءا من فائض القيمة بفضل هذه العلاقات ودون أن يكون ذلك مبررا بوظيفة اجتماعية ضرورية.فالمافيا تنهب الأموال بمختلف الأشكال عبر تجارة المخدرات والمضاربات والمعاملات غير المشروعة، وكذا عبر ابتزاز الأثرياء مقابل توفير الحماية لهم ولمشاريعهم وأيضا بفضل سمسرتها للصفقات العمومية الكبرى les grands marchés de l’état وذلك ما يفسر تواطؤها مع رجال السياسة والأعمال.
إن الشرائح المتنفذة في أجهزة السلطة المغربية تشبه إلى حد لا يستهان به المافيا. فقد أوضحنا أعلاه أن التشكل التاريخي للدولة المخزنية أدى إلى بنائها كدولة عصرية في الظاهر، مخزنية متخلفة في الجوهر. فالعلاقات المؤسسية الرسمية ما هي، في الغالب سوى واجهة لعلاقات خفية relations occultes هي التي تتحكم في القرار، وتتميز تلك العلاقات بسيطرة أجهزة ليست هي المسؤولة رسميا كالدور الخاص لوزارة الداخلية وأجهزة أو أشخاص معينين لهم علاقات بمراكز القرار وترتكز هذه المافيا المخزنية على العلاقات الشخصية، علاقات الحماية مقابل الولاء وتستعمل أسلوب الزبونية والمحسوبية والرشوة ونهب أموال الدولة (أي الشعب مباشرة، أو عبر سمسرة صفقات الدولة)والاستفادة من مواقعها في السلطة لإحكام سيطرتها على الاقتصاد الوطني، إما مباشرة أو عبر شبكة من العملاء تكلفهم بتسيير شركاتها وضيعاتها.كما تتواطأ مع كبار تجار المخدرات والمهربين بل تتحكم في شبكات تهريب وتصدير المخدرات.ألسنا أمام مافيا حقيقية،ربما أكثر خطورة من المافيا الايطالية،لأنها تتحكم مباشرة في أجهزة السلطة؟
(1)مقال نشر في جريدة النهج الديمقراطي عدد 3 /20 نونبر 1995

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق